محمد بن جرير الطبري

140

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ولم تَشكَّك أنّ سامعها يعرف ، بما أظهرت من منطقها ، ما حذفت - ( 1 ) حذفُ ما كفى منه الظاهرُ من منطقها ، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حُذفت ، قولا أو تأويلَ قولٍ ، كما قال الشاعر : وأَعْلَمُ أَنَّنِي سَأَكُونُ رَمْسًا . . . إذَا سَارَ النَّوَاعِجُ لا يَسِيرُ ( 2 ) فَقَالَ السّائلون لِمَنْ حَفَرْتُمْ ? . . . فَقَالَ المُخْبِرُون لَهُمْ : وزيرُ ( 3 ) قال أبو جعفر : يريد بذلك ، فقال المخبرون لهم : الميِّتُ وزيرٌ ، فأسقَط الميت ، إذ كان قد أتى من الكلام بما دلّ على ذلك . وكذلك قول الآخر : وَرأَيتِ زَوْجَكِ في الوغَى . . . مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا ( 4 ) وقد علم أنّ الرمح لا يُتَقَلَّد ، وإنما أراد : وحاملا رمحًا ، ولكن لما كان معلومًا معناه ، اكتفى بما قد ظَهر من كلامه ، عن إظهار ما حذف منه . وقد يقولون للمسافر إذا ودَّعوه : " مُصاحَبًا مُعافًى " ، يحذفون " سر ، واخرج " ، إذ كان معلومًا معناه ، وإن أسقط ذكره . فكذلك ما حُذف من قول الله تعالى ذكره : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، لمَّا عُلم بقوله جل وعزّ : ( إيّاكَ نَعبُد ) ما أراد بقوله : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ،

--> ( 1 ) سياق الكلام : " أن العرب من شأنها . . . حذف " وما بينهما فصل . ( 2 ) تأتي في تفسير آية سورة المؤمنون : 87 ( 18 : 27 بولاق ) . ، ونسبهما لبعض بني عامر ، وكذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 170 وهما في البيان والتبيين 3 : 184 منسوبان للوزيري ، ولم أعرفه ، وفيها اختلاف في الرواية . الرمس : القبر المسوى عليه التراب . يقول : أصبح قبرا يزار أو يناح عليه . ورواه الجاحظ : " سأصير ميتًا " ، وهي لا شيء . والنواعج جمع ناعجة : وهي الإبل السراع ، نعجت في سيرها ، أي سارت في كل وجه من نشاطها . وفي البيان ومعاني الفراء " النواجع " ، وليست بشيء . ( 3 ) رواية الجاحظ : " فقال السائلون : من المسجى " . وفي المعاني " السائرون " . ( 4 ) يأتي في تفسير آيات سورة البقرة : 7 / وسورة آل عمران : 49 / وسورة المائدة : 53 / وسورة الأنعام : 99 / وسورة الأنفال : 14 / وسورة يونس : 71 / وسورة الرحمن : 22 . وهو بيت مستشهد به في كل كتاب .